تقدم "القصص"
الست للمشروع التي تُشكِّل قوام هذا الفصل عرضاً شاملاً لكثير
من مشروعات التنوع الحيوي الزراعي والتربية التشاركية للنبات التي
حظيت بدعم من قبل المركز الدولي لبحوث التنمية (IDRC) خلال العقد
المنصرم. وقد تم اختيار هذه القصص لتمثل أوسع مقطع عرضي ممكن للبحوث
التي تُجرى على صعيد نظم المحاصيل، والأهداف المرجوة من البحوث،
وأنماط المشاركة، والنطاق المنهجي. إلى جانب ذلك، تم تنفيذ العمل
من قبل مراكز تابعة للمجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية
(CGIAR)، ومؤسسات البحوث الزراعية الوطنية
(NARS)، ومنظمات غير حكومية (NGOs). وعلى الصعيد الجغرافي، تغطي
المشروعات كلاً من آسيا، وإفريقيا، والشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية،
بالإضافة إلى تغطيتها لبرنامج عالمي. أما على الصعيد الزمني، فقد
اشتملت المشروعات على فترات تشغيل أطول وأعمال تم البدء بها مؤخراً،
حيث لاتزال جميع المبادرات الست متواصلة حتى يومنا هذا. وقام IDRC
بنشر توصيفاتٍ أطول لتلك المبادرات، وهي متوافرة بشكل مطبوعات
وكذلك على الشبكة الدولية (الإنترنت) على العنوان التالي:www.idrc.ca/seeds
تحسين الشعير
بمشاركة المزارعين في شمالي إفريقيا والشرق الأوسط
|
عناصر
بحثية رئيسة
|
|
النظام
المحصولي
|
الشعير
|
|
الأهداف
(بحسب الأولوية)
|
الإنتاجية/التنوع/إعطاء
سلطة للمزارعين
|
|
المشاركة
|
بقيادة
الباحثين، تعاونية
|
|
التحليل
الاجتماعي
|
كلا الجنسين
|
|
مكوِّن
السياسات
|
بارز
على نحو مطَّرد (سياسات بحثية، تربية النبات، واعتماد
الأصناف)
|
|
طريقة جديدة للعمل
مع المزارعين في المناطق الجافة
في كثيرٍ من بقاع منطقة شمالي إفريقيا والشرق الأوسط، تعاني محاصيل
رئيسة كالشعير (وهو محصول ذاتي التلقيح) من تدنٍّ مزمنٍ في غلالها،
كما يُعدُّ إخفاق المحاصيل فيها شائعاً. وتنتشر ظاهرة سوء التغذية
في أشدِّ المناطق فقراً، في حين لا يكفُّ شبح المجاعة عن تهديدها
بصورة متواصلة. ولم يُكتب لبرامج التربية التقليدية التي تهدف
إلى تحسين المحاصيل النجاح في تحقيق تأثيرٍ كبير، إذ يعود ذلك
بشكل رئيس إلى رفض السواد الأعظم من الزرَّاع تبني الأصناف الجديدة.
ويعتبر النهج التقليدي نهجاً مركزياً وشاملاً، ويولي أهمية متواضعة
بالظروف الحقيقية التي يعيشها المزارعون. ماذا لو قمت بتحويل برنامج
التربية إلى برنامج لامركزي، وعملت على إدماج المزارعين فيها منذ
البداية، وسعيت إلى عمل المربين مع المزارعين جنباً إلى جنب للتعلم
من بعضهم البعض، وأوليت اهتماماً كبيراً بما يقوله المزارعون؟
إن خطوة كهذه قد تكون ثورية في عالم التربية، إلا أنها ثورة تتمخض
عن نتائج إيجابية.
وفي أواخر التسعينات، أخذ فريق من الباحثين في المركز الدولي للبحوث
الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA) موقع الرائد لطريقة جديدة
في العمل مع المزارعين ضمن بيئات هامشية الهطل المطري في كلٍّ
من المغرب وسورية وتونس. وبتمويل من IDRC، وإيطاليا، وزارة التعاون
التقني/الوكالة الألمانية للتعاون التقني (BMZ/GTZ) ألمانيا، تمكّنت
المبادرة من استقطاب مزارعين ومربين يجمع فيما بينهم هدف مشترك
يتمثل في تلبية احتياجات السكان الذين يعيشون ظروفاً قاسية داخل
المنطقة ويعملون في ظلها.
ففي سورية على سبيل المثال، تم ربط ''مزارعين مضيفين'' في تسعة
مجتمعات زراعية بمحطتين للبحوث، حيث اهتم هؤلاء المزارعون المضيفون
وجيرانهم بالتجارب التي اشتملت على سلالات تجريبية تم الحصول عليها
من محطة البحوث، كما اشتملت على الأصناف الخاصة بالمزارعين. وعمد
المزارعون والمربون إلى تقييم النتائج بشكل مستقل في تجارب متعاقبة
من عام 1997 ولغاية 1999، حيث تم تحديد الكثير من الأصناف الجديدة
المبشرة من خلال هذه التجارب.
ويعمل الانتخاب اللامركزي في حقول المزارعين على تجنّب مجازفة
استخدام سلالات مفيدة أُهملت بسبب التدني النسبي لإنتاجيتها في
محطات التجارب حيث تكون الظروف فيها أكثر ملاءمةً بصورة شبه أكيدة.
وأضحى من الواضح بشكل سريع أن معيار الانتخاب عند المزارعين، والذي
يعتمد على عوامل بيئية، كان مختلفاً عن تلك المعايير المتّبعة
من قبل البرامج الوطنية للتربية. ومما يثير الدهشة لدى الكثيرين،
أن الانتخاب الذي أجراه المزارعون كان على الأقل بنفس فعالية الانتخاب
الذي أجراه المربون. وازدادت الغلال في مناطق لم يكتب النجاح فيها
لتربية النبات من قبل. ولدى الاطلاع على هذه النتائج، عمد المربون
بشكل سريع إلى تبني أفكار ومواقف جديدة، حيث أصبحوا داعمين للنهج
التشاركي.
الاستنتاج: اتسمت برامج تربية النبات في وقت سابق بعدم فاعليتها
فوق أراض هامشية، وذلك يعود إلى أن تلك البرامج كانت نادراً ما
تُدخل الصفات المهمة بالنسبة للمزارعين في معاييرها الخاصة بالانتخاب.
الاستدلال: يتجنب الانتخاب اللامركزي في حقول المزارعين مجازفة
استخدام سلالات مفيدة أُهملت بسبب التدني النسبي لإنتاجيتها في
محطات التجارب (التي تكون الظروف فيها أكثر ملاءمةً بصورة شبه
أكيدة، وذلك من خلال التسميد والري على سبيل المثال). ويشكل
الانتخاب اللامركزي بمشاركة المزارعين بدءاً من المراحل المبكرة
لعملية التربية منهجيةً فعّالة لوضع المحاصيل ضمن محيط فيزيائي-حيوي
واجتماعي-اقتصادي معين، وكذلك للاستجابة لاحتياجات المزارعين ومعرفتهم.
تناول احتياجات المزارعين واهتماماتهم
استطاع الباحثون استقاء عددٍ من الدروس الجوهرية الأخرى من المشروع،
والتي من بينها حقيقة أنه بإمكان المزارعين التعامل مع عدد كبير
من السلالات أو العشائر أو كليهما معاً. ومن الملاحظ بشكل جلي
أنه في سورية وفي المرحلة الثانية من العمل، ازداد عدد السلالات
التي تم تقييمها من زهاء 200 إلى 400 سلالة (الجدول 1). وفي الواقع،
رحَّب المزارعون ترحيباً حاراً بإمكانية الانتخاب من بين عدد كبير
من السلالات. وقد شرعت ثلّة من المزارعين بإنتاج بذار المادة المنتخبة،
حيث يجري تشارك هذه البذار مع مزارعين آخرين، الأمر الذي يفضي
إلى عملية تربية أكثر ديناميكية، وتبادل المواد الجديدة من مزارع
إلى آخر بصورة منتظمة.
|
الجدول
.1 كميّة مادة التربية في بحوث تربية النبات التشاركية التي
تجريها ICARDA
|
|
البلد
|
عدد القرى
|
عدد السلالات
|
مساحة الأرض (م2)
|
المزارعين/القرية
|
|
مصر
|
8
|
60
|
6
|
5
|
|
إريتريا
|
3
|
155
|
3
|
10-12
|
|
الأردن
|
6
|
200
|
6
|
5-12
|
|
المغرب
|
6
|
30-210
|
4.5
|
6-15
|
|
سورية (المرحلة 1)
|
9
|
208
|
12
|
5-9
|
|
سورية (المرحلة 2)
|
8
|
200-400
|
12
|
6-11
|
|
تونس
|
6
|
25-210
|
4.5
|
10-20
|
|
اليمن
|
3-6
|
100
|
3
|
15-20
|
|
المصدر: تشيكاريللي
(2000)
|
كما لاحظ الباحثون أن معايير الانتخاب لدى
النساء غالباً ما تختلف عن تلك الخاصة بالرجال، وألقوا الضوء على
أهمية التحقق من فترة حدوث هذا الاختلاف والسبب وراءه. كما لاحظوا
أن سلطة المزارعين أضحت أكبر من خلال إقحامهم في التربية التشاركية
للنبات، وبناء الثقة لديهم لاتخاذ القرار فيما يتعلق بالتهجينات،
وكذلك فيما يتعلق بعوامل من قبيل مساحة قطعة الأرض وعدد المواقع.
ومما قد يحمل الأهمية ذاتها للباحثين أنفسهم، أن المشروع كشف عن
الحاجة إلى تدريب محدد المعالم في مجالات مثل تصميم التجارب وتحليل
البيانات بما يلائم حالات لا تخضع فيها البيئة (حقل المزارع بإدارة
المزارع) لتحكم العلماء كما هو عليه الحال في محطات البحوث.
الاعتماد على
النجاح
استطاع هذا النهج الرائد تحقيق نجاح باهر بحيث طلب المزارعون من
المربين العمل معهم باستخدام نهج مشابه لتحسين محاصيل أخرى. كما
اتسع نطاق هذا النهج ليطال بلدان أخرى في المنطقة. وتعمل ICARDA
في الوقت الراهن على دعم برامج التربية التشاركية للشعير في مصر،
وإريتريا، والأردن، واليمن. وفي بنغلاديش، وسورية، وتركيا، واليمن
يجري تطبيق النهج ذاته على بحوث العدس. و بدأت ICARDA على نحو
مكمّل لمساعي التربية التشاركية للنبات، بإجراء بحثٍ تشاركي حول
إدارة الموارد الطبيعية، وبشكل خاص حول الإدارة المستدامة للأراضي
في المناطق الجافة.
وقد كان لكل بلد نصيبٌ من النجاح. ففي اليمن، على سبيل المثال،
اتسع نطاق مشروع بدأ بالعمل ضمن ثلاث قرى فقط في الأراضي المرتفعة
الشمالية بصورة سريعة بمقدار الضعف ليشمل ثلاث قرى أخرى في الأراضي
المرتفعة الوسطى. واستُخدم النهج التشاركي كأنموذج في مشروعات
أخرى تم تنفيذها من قبل هيئة البحوث والإرشاد الزراعي (AREA)،
وهي منظمة بحثية وشريك وطني لـ ICARDA. وثمة مثال آخر، فقد بدأت
هيئات البحوث الزراعية في الأردن بتحويل البرنامج الوطني لتربية
الشعير إلى برنامج تشاركي لامركزي، وعملت على توسيع التربية التشاركية
للنبات لتغطي نوعَيْ القمح الطري والقاسي.
اللجان المحلية
للبحوث الزراعية في أمريكا اللاتينية
|
عناصر
بحثية رئيسة
|
|
النظام
المحصولي
|
الفاصولياء،
والذرة الصفراء، والمنيهوت، والبطاطا، والفاكهة
|
|
الأهداف
(بحسب الأولوية)
|
الإنتاجية/
إعطاء سلطة للمزارعين/ التنوع
|
|
المشاركة
|
بقيادة
المزارعين، تشاركية
|
|
التحليل
الاجتماعي
|
متباين
|
|
مكوِّن
السياسات
|
غير
بارز
|
|
إجراء التجارب
والتعلم بشكل مشترك
في الشمال، تمثل إحالةُ مشكلةٍ ما إلى إحدى اللجان وسيلة غالباً
ما تُتّبع لتجنب اتخاذ الإجراء. إلا أن هذا الأمر لا ينطبق على
المزارعين والباحثين في أمريكا اللاتينية، إذ يتم تشكيل اللجان
في تلك البقعة من العالم كبرنامج لتقييم تقانات جديدة وتعديلها
ونشرها. إضافة إلى ذلك، أضحت اللجنة بمثابة المحرك لمبادرات التنمية
الريفية من قبيل تشكيل مجموعات القروض والتسويق. وتوجد اللجان
المحلية للبحوث الزراعية، أو كما تعرف بـ CIALS-وهو الاختصار الإسباني
للاسم- في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، وهي تقدم نتائج تثير دهشة
العلماء في المؤسسة البحثية الرسمية.
لجان CIAL تجمع مابين المزارعين والباحثين في عملية التجارب
والتعلم بشكل مشترك تم تطوير هذا المفهوم في المركز الدولي
للزراعات الاستوائية (CIAT) الذي يتخذ من كولومبيا مقراً له، حيث
حقق رواجاً سريعاً. واليوم، تنشط قرابة 250 لجنة CIAL في أنحاء
أمريكا اللاتينية، حيث تختلف بحجمها وصفاتها، لكنها تشترك في نقطة
واحدة تتمثل في أنها توفر رابطة مباشرة ما بين المزارعين المنظمين
محلياً والمؤسسات الرسمية للبحوث الزراعية. هذا ويوفر IDRC الدعم
المباشر وغير المباشر للجان CIAL في كولومبيا، والإكوادور، وهندوراس،
ونيكاراغوا.
ويأتي في طليعة أولويات جدول أعمال معظم لجان CIAL تقييم أصناف
المحاصيل المحلية المحسّنة، واختبار أصناف جديدة من حيث الاستدامة
في مواقع زراعتها. وتعود كثير من الأصناف البديلة التي تم اختبارها
من قبل إحدى لجان CIAL بالأصل إلى المجتمع الزراعي المحلي-كالذرة
الصفراء ذات التلقيح المفتوح على سبيل المثال. أما الأصناف الأخرى،
كالهجن، فتأتي من المؤسسة الرسمية للبحوث. أو قد يوجد خليط من
الاثنين معاً. وتمثل إدارة الآفات، والأمراض، والتربة، والمياه،
والعناصر الغذائية أيضاً مصدر قلق كبير للجان. وتشكل المحاصيل
الغذائية الرئيسة-كالفاصولياء، والذرة الصفراء، والبطاطا، والمنيهوت
-ما يربو على 80% من البحوث التي تضطلع بها اللجان على مستوى المزرعة
(الجدول 2).
وحالما يتم تشكيل شبكة للجان CIAL التي تتمتع بخبرة في منطقة ما،
يحدث انخفاض كبير في الحاجة إلى تغطية مكثفة من قبل خدمات البحوث
والإرشاد في العادة، وذلك يعود إلى أن المجتمعات الريفية الفقيرة
تضطلع بنفسها بمهمة اختبار التقانات وتعديلها بشكل ناجح.
|
الجدول
2. بعض الملامح الرئيسة لـ 249 لجنة CIAL
|
| مواضيع
البحوث |
|
| تقييم
أصناف المحاصيل |
62% |
| إدارة
الآفات والأمراض |
19% |
| إدارة
التربة والمياه والعناصر الغذائية |
12% |
| الحيوانات
الصغيرة |
5% |
| مواضيع
أخرى |
2% |
| |
|
| المحاصيل
التي أجريت عليها البحوث |
|
| الفاصولياء |
26% |
| الذرة
الصفراء |
16% |
| البطاطا |
14% |
| الخضراوات |
13% |
| المنيهوت |
12% |
| الفاكهة |
9% |
| محاصيل
أخرى |
10% |
| |
|
| عمل
الجنسين في لجان CIAL |
|
| رجال
فقط |
56% |
| نساء
فقط |
7% |
| كلا
الجنسين |
37% |
|
المصدر: آشبي
وآخرون (2000)
|
ويختار سكان المجتمع الزراعي الموضوع البحثي
للجنة CIAL خلال اجتماع مفتوح، حيث يعتمدون في قرارهم الذي يتخذونه
على معايير من قبيل فرص النجاح، وعدد ومجموعات المستفيدين، وكذلك
الكلفة المحتملة للبحوث. ومن ثَمّ تأتي مرحلة التخطيط، وذلك عندما
تحدّد لجنة CIAL وأعضاء آخرون في المجتمع الزراعي الأهداف من وراء
التجربة، وطريقة التعامل والتحكم، والمواد والأساليب الواجب استخدامها،
والمستلزمات المطلوبة، والبيانات الواجب جمعها، ومعايير تقييم
النتائج.
وعادة ما تُنفّذ التجربة ذاتها بمساعدة أعضاء آخرين في المجتمع
الزراعي (من قبيل المبتكرين ذوي الخبرة). وحالما تُستكمل التجربة،
تجتمع لجنة CIAL مع مسؤول التسيير (الذي قد يكون خبيراً زراعياً
من منظمة محلية غير حكومية) وذلك لتقييم البيانات التي تم جمعها.
ولدى تحليل النتائج، يطرح أعضاء لجنة CIAL السؤال التالي: ''ما
الذي تعلمناه؟'' إن هذه المرحلة من العملية تتسم بأهمية خاصة عندما
تخفق المحاصيل الجديدة، أو عندما تتمخض التجارب عن نتائج لم تكن
في الحسبان.
|
|
|
الشكل
2: عملية لجنة CIAL المتخذة شكل السلّم (المصدر: آشبي وآخرون
2000).
|
وأخيراً، تقوم لجنة CIAL بعرض أنشطتها،
ونتائجها، ونفقاتها خلال أحد الاجتماعات المفتوحة النظامية للمجتمع
الزراعي وتسعى للحصول على المردود. كما قد تقدم لجنة CIAL أيضاً
توصيات اعتماداً على النتائج، لكن المجتمع الزراعي هو صاحب القرار
الفصل فيما لو كان على لجنة CIAL مواصلة التجربة، أو التحوّل إلى
موضوع جديد، أو حتى التوقف عما تقوم به من أنشطة بشكل كامل. ويمكن
عرض الخطوات الثماني في العملية التجريبية للجنة CIAL على شكل
سُلّم كما في الشكل 2.
خبرة نيكاراغوا
تتمثل خبرة نيكاراغوا في عملية لجنة CIAL من الناحية النظرية.
أما على الصعيد العملي، فإن العملية عادة ما تكون جِدُّ ديناميكية،
ويتخللها فترات ازدهار وركود. وفيما يلي نعرض كيف جاءت لجان CIAL
إلى منطقة ماتاغالبا الجبلية في نيكاراغوا عام 1997. فقد قام فريق
باحث من المركز الدولي للزراعات الاستوائية (CIAT) وبالتعاون مع
عاملين من البرنامج المحلي من مزارع إلى مزارع بتقديم لجنة CIAL
إلى أربعة مجتمعات عند مسقط مياه نهر كاليكو كجزء من مشروع أوسع
لبحوث إدارة الموارد الطبيعية بتمويل من IDRC والوكالة السويسرية
للتنمية والتعاون (SDC).
وفي ويبيوز التي تمثل مجتمعاً زراعياً يعاني من الإملاق عند الجانب
العلوي من مسقط المياه، قامت لجنة مؤلفة من رجال ونساء بإجراء
تجارب على أصناف جديدة للفاصولياء. وفي الجيكارو الواقعة على ارتفاع
متوسط، تم تشكيل لجنتين، أحدهما تضم أعضاء من الرجال والنساء،
أجرت تجارب على أصناف جديدة للذرة الصفراء والفاصولياء. والأخرى
مؤلفة بالكامل من النساء، وأجرت تجارب على الخضراوات واستخدام
الأسمدة العضوية. وفي بيدراس لارغاس، الواقعة عند أسفل مسقط المياه،
أجرت لجنة CIAL الرابعة تجارب أيضاً على الأصناف الجديدة للفاصولياء.
ووجدت عديد من حالات الإخفاق نتيجة الأحوال الجوية المناوئة (بما
في ذلك الإعصار الذي ضرب المنطقة)، والأوبئة، والآفات، وأمراض
المحاصيل مصحوبة أحياناً بإدارة غير كفوءة للمشروع. إلى جانب ذلك،
قامت المجتمعات بتقييم كافة النتائج بصورة إيجابية. ففي ويبيوز
والجيكارو، أعدت لجنتا CIAL تجربة إضافية على سلالات فاصولياء
خلال الموسم الثاني، بمساعدة شبكة أمريكا الوسطى للفاصولياء PROFRIJOL
ومنظمتين وطنيتين للبحوث الزراعية. وعمدت التجربة إلى مقارنة 90
سلالة مبشرة وصنف واحد اعتمد مؤخراً بعد الحصول عليه من هندوراس،
حيث استقطب اهتمام كثير من المزارعين الذين لم يشهدوا مسبقاً تنوعاً
كهذا للفاصولياء. وقد بشرهم هذا التنوع بتقديم خيارات إنتاج أكبر
بكثير من الخيارات السابقة. كما أضحى بمقدور كل مزارع اليوم الانتخاب
من قائمة مواد جديدة أكبر بكثير. وقد تشاطرت لجنتا CIAL مسؤولية
إدارة الأراضي في ويبيوز، واستطاعتا استقدام عاملين من المنظمة
الوطنية للبحوث للعمل في الحقول، وهذا ما شكل خطوة جديدة في منطقة
سان ديونيزيو.
|
وبشكل
عام، فإن قوى نظام لجنة CIAL، كما تُظهر تجربة ماتاغالبا،
تتغلب على أية حالة من حالات الضعف بشكل كبير.
|
|
وخلال العام التالي، نظم أعضاء لجان CIAL
الأربع، بالتعاون مع فريق CIAT اجتماعاً على مستوى مسقط المياه
للمشاركة في الرؤى، ووضع خطط حول الأنشطة المستقبلية، وتحديد الاحتياجات
التدريبية والدعم التقني. وقد حضر الاجتماع العديد من مزارعي المجتمعات
الأخرى الذين سمعوا عن لجان CIAL، ومن ثم شارك عدد منهم في الدورة
التدريبية الوطنية الثانية لـ .CIAL وكنتيجة لذلك، تم تشكيل أربع
لجان جديدة في منطقة مسقط المياه، وأضحى اثنان من المتدربين (رجل
واحد وامرأة واحدة) عامليَن تقنييَن مبتدئين، حيث قدما المساعدة
للجان CIAL الناشئة، كما ساعدا عام 1999 على تشكيل لجنتي CIAL
أخريين في منطقة مسقط المياه. واليوم يوجد في منطقة سان ديونيزيو
14 لجنة CIAL.
لاشك أن عملية لجنة CIAL لا ترقى إلى الكمال. فمعظم لجان CIAL
تمر بمراحل ازدهار وركود نتيجة التغيرات في العضوية، ومشاركة مباشرة
للأعضاء في مشروعات مثمرة على نحو أكبر، والدعم التقني غير المنتظم.
كما لا يزال إشراك المرأة صعباً أحياناً. وفي بعض لجان CIAL، تبقى
الجهود والأنشطة محصورة بشكل كبير بالمجموعة، التي أفضل ما يطلق
عليها اسم ''المنضمون''-وتتألف المجموعة هذه من أفراد مهتمين بالمجتمع
الزراعي، ويمكن الاعتماد عليهم بصورة دائمة، كما أنهم يشاركون
في تلك الأنشطة. لكن، وبشكل عام، فإن قوى نظام CIAL، كما توضح
تجربة ماتاغالبا تفوق أية حالة من حالات الضعف بشكل كبير.
وفي ماتاغالبا، تحولت عديد من اللجان من تلك الفترة إلى إجراء
تجارب على نطاق أوسع، ومواجهة جوانب جديدة للمشكلات في مجتمعاتهم
الزراعية من قبيل خصوبة التربة. كما ظهر عدد من القياديين المزارعين
الذين كان من بينهم العديد من النساء. وعندما تقتضي الحاجة، كانت
لجان CIAL تتصل مع بعضها بعضاً لتبادل الأفكار والنتائج داخل منطقة
مسقط المياه وخارجها-كالمشاركة في الاجتماعات السنوية لـ CIAL
في هندوراس على سبيل المثال. كما تعمل أيضاً على مدِّ جسور نحو
منظمات رسمية للبحوث والتقانات.
إعادة تشكيل
القطاع الزراعي في كوبا
|
عناصر
بحثية رئيسة
|
|
النظام
المحصولي
|
الفاصولياء
والذرة الصفراء
|
|
الأهداف
(بحسب الأولوية)
|
التنوع/
الإنتاجية/ إعطاء السلطة للمزارعين
|
|
المشاركة
|
بقيادة
الباحث، تشاركية
|
|
التحليل
الاجتماعي
|
كلا الجنسين
|
|
مكوِّن
السياسات
|
بارز
بشكل مطَّرد (سياسات البذار)
|
|
الضرورة تدفع البحوث إلى إيجاد بدائل
مجدية
تتشكل في كوبا مجموعات تشبه لجان CIAL، يُطلق عليها اسم مجموعات
المزارعين التجريبية (GICs)، حيث تعتبر عنصراً رئيساً في مشروع
يهدف إلى إعادة تشكيل قطاع الزراعة في تلك الجزيرة
وعلى الرغم من صناعة السياحة، لاتزال الزراعة العمود الفقري للاقتصاد
الكوبي ذي الواقع المتردي. ونتيجة للأزمة الاقتصادية التي ألمت
بكوبا، فقد ابتعد الإنتاج الزراعي في البلد عن الأنموذج الصناعي،
الموجَّه نحو التصدير، والمعتمد على زراعة محصول وحيد، حيث يتطلب
هذا الأنموذج مستلزمات مرتفعة. ووفقاً لما تقتضيه الضرورة، يتحول
المنتجون الزراعيون نحو نظم إنتاج أكثر تنوعاً وذات مستلزمات منخفضة،
توجّه نحو الأسواق المحلية. وتتمثل إحدى تبعات هذه الأزمة في التدهور
السريع للنظام التقليدي المركزي لإنتاج البذار، وتحسينها، وتوزيعها.
لقد اجتمعت هذه الظروف غير المتوقعة لفتح المجال أمام الباحثين
الزراعيين وصنّاع السياسات لتحويل اهتمامهم نحو ممارسات بديلة
لإنتاج البذار وتحسينها وتوزيعها، وهذا ما يمثل إسهاماً جوهرياً
في الحاجة إلى بناء قطاع زراعي جديد في ذلك البلد.
وفي عام 2000، بدأ فريق من باحثين ديناميكيين متعددي الاختصاصات
(يتمتعون بخلفيات في علوم الأحياء، والزراعة، والكيمياء الحيوية،
والاجتماع) من المعهد الوطني للعلوم الزراعية (INCA) مشروعاً صُمِّم
لتحسين غلة ونوعية محاصيل الذرة والفاصولياء من خلال مسعى مشترك
لزيادة تنوع الأصناف وتعزيز المنظمات المحلية للزرّاع. ومن المتوقع
أن يُقدّم المشروع إسهاماً مهماً لتحسين خيارات الأمن الغذائي
في كوبا.
|
يسهم
تعزيز تنظيم المزارعين في تحسين قدراتهم على إجراء
التجارب والابتكار، والطلب بشكل أقوى من المؤسسة
الوطنية للبحوث الزراعية.
|
|
يتمثل الهدف من هذا المشروع المبتكر في
تعزيز قاعدة التنوع الحيوي الزراعي في كوبا، وتوفير طائفة ذات
تنوع أكبر ونوعية أعلى من الأصناف للمزارعين، ومؤسسات البحوث الزراعية،
والمستهلك الذي يأتي في نهاية المطاف. ولبلوغ هذه الأهداف، يفكر
أعضاء فريق INCA بالعديد من الأهداف المحددة. أولها، أنهم يريدون
الحصول على فهم أفضل للمعرفة التي يتمتع بها المزارع المحلي فيما
يتعلق بالإدارة ودفق بذار الذرة والفاصولياء. وفي الوقت ذاته،
يرغبون في وضع منهجية لانتخاب أصناف الذرة والفاصولياء بمشاركة
مجموعات المزارعين التجريبية (GICs). وأخيراً، يقومون بنشر النتائج
التي تحصل عليها مجموعات GIC فيما يتعلق بانتخاب البذار المحسنة
للذرة والفاصولياء وإنتاجها وتوزيعها.
أما الهدف الثانوي الذي لا يخلو من الأهمية فيتمثل في تحسين القدرة
البحثية للوكالات المشاركة بشتى أنواعها، بما فيها INCA، وGICs،
وشركات البذار، والكادر الجامعي، وذلك من خلال التعلم عن طريق
الممارسة. كما يعتقد فريق المشروع أيضاً أن تعزيز تنظيم المزارعين
يزيد من قدراتهم على إجراء التجارب والابتكار، والطلب بشكل أقوى
من المؤسسة الرسمية للبحوث الزراعية.
معارض البذار والأيام الحقلية: وصول متزايد إلى التنوع
تشكل معارض البذار إحدى الطرائق التي يستخدمها الباحثون لتعريف
المزارعين بأصناف أو بسلالات جديدة أو غير معروفة. إذ تُنظّم المعارض
من قبل المربين وتتخذ من محطة INCA أرضاً لها. وقد أثبتت المعارض
أنها تحظى بشعبية كبيرة، بحيث أن المزارعين قد بدؤوا بشكل عفوي
بتنظيم معارض مماثلة داخل مجتمعاتهم. ويتكاتف المزارعون والمربون
والمرشدون الزراعيون مع بعضهم بعضاً خلال المعارض، حيث يعملون
على تقييم الأصناف، وانتخاب أفضل الأصناف التي يرغبون بها. ومن
ثم، تم توزيع المواد للمزارعين من أجل اختبارها على مستوى المزرعة.
هذا ويقوم المربون بتقديم المساعدة للمزارعين فيما يتعلق بتصميم
التجارب، إلا أنه يتم تعديل كافة التجارب بما يتوافق والبيئة المحلية.
|
تُظهر
النتائج أن ما تفضله المزارعات يختلف عمّا يفضله
المزارعون.
|
|
وللتعرّف بشكل أكبر على ما يفضله المزارعون، يقوم فريق المشروع بتنظيم
أيام حقلية بصورة منتظمة، حيث تُجرى خلالها لقاءات مع كلٍّ من الرجال
والنساء للتعرّف على ما يفضلون. ويعتبر ما يتم جمعه من معلومات على
قدر كبير من الأهمية بالنسبة لمربي النبات لتحديد المواد الأبوية
ومعايير الانتخاب. وعلى نحو مثير للاهتمام، تظهر النتائج أن ما تفضله
المزارعات يختلف عما يفضله المزارعون. فالمزارعات يجرين الانتخاب
من أجل الغلة، ومواصفات الحبوب المتعلقة بالطبخ، والصفات الجمالية
من قبيل اللون، والشكل، واللمعان. أما المزارعون فيفضلون في انتخابهم
الصفات المتعلقة بالغلة، ومقاومة الأمراض، وحجم القرن. ويتم توفير
البذار المنتخبة ''المرغوبة بصورة فضلى'' إلى المزارعين عقب عدة
أسابيع من اليوم الحقلي.
ويتمتع الباحثون في كوبا بخبرة سابقة متواضعة فيما يتعلق بالنُهُج
التشاركية من هذا القبيل، لذا يميل فريق المشروع أيضاً إلى العمل
كمرجع لباحثين آخرين مهتمين بنُهُج مماثلة. كما يشارك الفريق في
التحليل الوراثي من خلال التعاون مع علماء مختصين في التقانات الحيوية
من المعهد الوطني الكوبي لبحوث العلوم الزراعية.
وفي الوقت الذي نجد فيه أن المثال الكوبي فريد من نوعه دون أدنى
شك، نرى أنه من الممكن جداً أن يحدث انهيار في القطاع الصناعي الزراعي
خلال وقت ليس بالبعيد في بلدان أخرى من المنطقة، أو حتى خارجها.
وتعتمد ممارسات الإنتاج الزراعي الراهنة في كثير من البلدان بشكل
كبير على تقانات مكلفة، ومدخلات كيماوية، كما تعتمد على أشكال مختلفة
من الدعم الحكومي، وهي ببساطة غير مستدامة على المدى البعيد.
وعليه، فإنه من المحتمل أن تكون التجربة الكوبية مناسبة لمكان ما
مستقبلاً.