تُعّد النظم الزراعية في المناطق الجافة نظماً ديناميكية. إذ تعمل الروابط العالمية للاقتصاد الوطني، إلى جانب تنمية السوق الحضرية في المدينة، على خلق متطلباتٍ جديدة من المنتجين الزراعيين، أشدّ كثافةً، وأكثر تنوعاً. ولذلك فإن تحديد معالم التغير في استراتيجية البحوث الخاصة بمركزٍ دولي ما، في عالم يخطو نحو العولمة، لم تعد مَهَمة سهلة. ففي عام 1999، أجرت لجنة المراجعة الخارجية الرابعة للبرنامج والإدارة (EPMR) تقويماً للنجاح الذي حقّقته إيكاردا في هذا المجال. فقد أجرت اللجنة المؤلفة من ثمانية خبراء دوليين، برئاسة الدكتور دونالد بلكنيت، اختباراً لمسؤولية إيكاردا، ومهامّها، وبرامج البحوث والتدريب فيها، وهيكلها الإداري وسياساتها، ووجدت أن ''المركز قد خضع لتغيرات خلال السنوات الخمس الماضية، وأضحى على أهبة الاستعداد للإنطلاق إلى الألفية الجديدة.'' كما سلّط تقرير اللجنة الضوء مرةً أخرى على الحاجة الملحة لاستمرارية البحوث الزراعية وبناء القدرات، التي تعمل إيكاردا على تنفيذها انطلاقاً من كونها مركزاً يتمتّع بامتياز في المناطق الجافة.
     لقد أبرزت اللجنة دور المياه باعتباره المكوّن الذي يجب أن يوليه المركز أهمية كبرى في مجال تحسين المحصول وإدارة الموارد الطبيعية. ففي المناطق الجافة من منطقة وسط وغربي آسيا وشمالي إفريقيا (CWANA)، تُعتبر المياه، لا الأرض، العامل المحدّد للإنتاج الزراعي. وقد أظهرت بحوث إيكاردا أنه يمكن تحقيق زيادات كبيرة ومستقرة في إنتاج القمح البعلي باستعمال الري التكميلي (SI). وحديثاً، أظهرت الدراسات الهادفة إلى تحسين الزراعة إلى الوضع الأمثل، والتي أُجرِيت مع الزراع أن المياه المستعملة للري التكميلي تكون أكثر فاعلية إذا ما أُضيفت إلى مياه الأمطار، منها إذا ما استُخدِمت بمفردها في الري الكامل. وتُظهر الدراسات أن الإرشادات المتعلقة بتحديد المتطلبات من مياه الري في مناطق ذات مصادر مائية محدودة يجب ألا تُبنى على تلبية متطلبات المحصول من المياه بالكامل، بل على زيادة إنتاجية المياه إلى الحد الأعظمي وبالتالي زيادة عائدات المزارعين.
     ويستمر المركز في استخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS) بشكلٍ متزايد في زيادة كفاءة استعمال المياه. فقد تمّ البدء بمشروعٍ لدراسة البيئة الزراعية في منطقة CWANA، كما يتمّ العمل على إعداد أطلس بيئي زراعي رقمي لسورية. كذلك، تقدّم إيكاردا مساعدة فنية للمغرب، الذي يخطّط لوضع خرائط مواءمة الأراضي، لمتطلبات التخطيط والسياسة.
     ويُعتبر الجفاف أحد الإجهادات الرئيسية التي تواجه تحسين أصناف المحاصيل، حيث تستمر إيكاردا في استنباط أصول وراثية للشعير، والقمح، والبقوليات الغذائية والعلفية، محسّنة ومتحملة للجفاف، وذلك بالتعاون مع الشركاء الوطنيين. وتؤكد الدراسات التي تعمل على تقويم الأثر المترتّبْ عن برنامج الأصول الوراثية التابع لإيكاردا في البلدان النامية أن 54% من أصناف الشعير المعتمدة في 23 بلداً نامياً في الفترة مابين 1980 و1999 ترجع إلى تهجينات أُجريت في إيكاردا. وإن نصف عدد أصناف العدس البالغ 52 صنفاً والتي تمّ اعتمادها في 22 بلداً يعود إلى تهجينات أُجرِيت في إيكاردا أيضاً، بينما يُنسب 31% أُخرى منها إلى أصول وراثية من إيكاردا.
     ولقد أُقحِمت حالياً الأنشطة التي يتم إجراؤها في آسيا الوسطى ضمن برنامج عمل المركز بشكل وثيق. حيث يتمّ تنفيذ العديد من المشاريع، بما فيها مشروع ''الإنتاج المتكامل للأعلاف والثروة الحيوانية في بوادي آسيا الوسطى،'' الذي يموّله الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD). ويُعتبر هذا الأمر حيوياً على نحو خاص، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار انهيار النظام السابق لإنتاج المواشي، وخدمات الدعم من قبيل العناية البيطرية، والأسواق التقليدية في آسيا الوسطى والقوقاز.
     ومن ناحية أخرى، تستفيد منطقة CWANA بالكامل من نتائج مشروع ''المحافظة على التنوع الحيوي الزراعي في المناطق الجافة واستخدامه المُستدام'' الذي يموّله مرفق البيئة العالمي (GEF) التابع لبرنامج الأمـم المتحدة الإنمائي، والذي تشارك فيه كل من الأردن، ولبنان، وسورية، وفلسطين. وقد اتّخذت إيكاردا دوراً قيادياً في تنفيذ هذا المشروع في موقِعَيْن في كل بلد، حيث سيتم حفظ الأصول المحلية والأسلاف البرية للمحاصيل في المحيا من خلال المشاركة مع المزارعين والمجتمع الزراعي.
     لقد منحت لجنة المراجعة الخارجية للبرنامج والإدارة ثقتها لإيكاردا لقدرتها على القيام بهذه المهام وغيرها من المهام التي تهدف إلى عكس التأثيرات الفظيعة للفقر. وما يحزّ في النفس هو ماتظهره الدراسات الإحصائية من أن أكثر من ملياري إنسان في العالم يعانون من سوء التغذية، وأن قرابة 700 مليون شخص في المناطق الجافة يحتال على العيش بأجر يومي لايتعدى الدولارين.
     نحن في إيكاردا نعمل على الخطوط الأمامية للمعركة ضدّ البؤس الذي يتسبّب به الفقر والجوع، ونبقى صامدين في تصميمنا على تقديم حلول علمية وتقنية، للتخفيف من هذا البؤس في المناطق الجافة من العالم. وإن ماذكرته لجنة المراجعة الخارجية للبرنامج والإدارة في تقريرها المقدّم إلى المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية، هو بمثابة إقرار بمقدرة إيكاردا على مواجهة هذا التحدّي، حيث جاء في التقرير: ''أنّ إيكاردا مركزٌ يخوض غمار عملية تحوّل ناجحة، ولعلّ الحاجة إليه اليوم في منطقة وسط وغربي آسيا وشمالي إفريقيا تفوق ما كانت عليه يوم تمّ تأسيسه في عام 1977.''

عادل البلتاجي
مدير عام إيكاردا
الغلاف
© 2008 المركز الدولـي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) ، راجع حقوق النشر
الصفحة الرئيسية > المطبوعات باللغة العربية> التقرير السنوي 1999> المقدمة
مقدمة
الدكتور ألفريد برونيمان
رئيس مـجلس الأمناء
المحتويات
حقوق النشر