ذكر باحثون من أحد مراكز البحوث الزراعية الرائدة في المناطق الجافة على مستوى العالم اليوم أن قدرة العراق على توفير الغذاء بصورة ذاتيه قد أضحت معرضة للخطر نتيجة سنوات من الإهمال والجفاف والحرب التي جاءت في آخر المطاف.يقول الأستاذ الدكتور عادل البلتاجي، مدير عام المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) "ستواجه الزراعة العراقية فترة عصيبة في تلبية المتطلبات الغذائية للبلد خلال المستقبل المنظور."
وأضاف: "وتتطلب سنوات الجفاف الثلاث، وعقود من السياسات الحكومية غير الموائمة التي أضرَّت بالمزارعين وتجاهلت البيئة، وتدمير المؤسسة العراقية للبحوث الزراعية خمس سنوات لإصلاح تبعاتها كحدٍّ أدنى."
وحتى يتم ذلك، سيعتمد العراق بشكل كبير على المعونات الغذائية الدولية. ويتوقع البرنامج العالمي للغذاء التابع للأمم المتحدة (WFP) أن العراق سيكون بحاجة إلى استيراد مايربو على مليوني طن من الغذاء خلال فترة الأشهر الستة القادمة، حيث تبلغ كلفة هذه الكمية 1,7 مليار دولار، وهو الجهد الأكبر من نوعه في تاريخ الوكالة على مدى 40 عاماً. ووفقاً لبرنامج الغذاء العالمي، يعتقد أن 16 مليون عراقي، وهو مايشكل ثلثي عدد السكان، سيعتمدون بصورة كلية على المعونات الغذائية.


البذار في حالة حرجة
ذكر الأستاذ الدكتور البلتاجي أن نقطة الانطلاق في إعادة بناء قطاع الزراعة في العراق تتمثل في توفير البذار للبلد. وقال إنه ثمّة حاجة لدى المزارعين العراقيين إلى آلاف الأطنان من البذار ذات النوعية العالية خلال العام القادم، ولاسيما بذار القمح، والأرز، والشعير، إلى جانب بذار الخضراوات، ومحاصيل الجذور، والبذار اللازمة لإعادة زراعة المراعي المتدهورة.
وقال: "حتى وإن بدأنا اليوم، فإنه من غير المحتمل للمجتمع الدولي أن يلبي حاجة البلد من البذار ذات النوعية العالية. لكن مابوسعنا القيام به هو وضع المؤسسات في مكانها المناسب بحيث يتمكن العراقيون أنفسهم من إنتاج بذار كافية لتلبية الحاجة بعد فترة ثلاث أو أربع سنوات من الآن."
وخلال العام المنصرم، قادت إيكاردا ائتلافاً تولى زمام إعادة بناء نظام البذار في أفغانستان، وهو مسعى تمخض عن توفير ماينوف على 8000 طن من بذار القمح للمزارعين في البلد. وتوفر هذه المبادرة، وهي في عامها الثاني اليوم، البنى التحتية، والتدريب، ونظم الإدارة المطلوبة لضمان تسليم البذار ذات النوعية الجيدة إلى كافة المزارعين في البلد.

حقول مهجورة
انخفض إنتاج العراق من النجيليات بصورة حادة خلال العقد المنصرم في مناطق واسعة من البلد نتيجة الإنتاج غير الكافي من البذار ونظم التوزيع غير المناسبة، الأمر الذي أسفر عن تدهور في نوعية البذار وإنتاجيتها. كما أسفر الافتقار إلى بذار مغلالة عن خفض كفاءة المزرعة وأجبر آلاف المزارعين على هجر حقولهم.
وحتى أواخر السبعينات، كان العراق يتمتع بالاكتفاء الذاتي بصورة كبيرة على مستوى النجيليات الأساسية. غير أن العراق أضحى مؤخراً مستورداً صرفاً للغذاء. ومن المحتمل أن تتضاعف متطلبات البلد من الغذاء نتيجة النمو السكاني، والذي يبلغ معدله السنوي 3,6%، وهو ضعف معدل النمو السكاني في بلدان كالهند والصين.
من جهته، لاحظ الدكتور وليم إرسكين، مساعد مدير عام إيكاردا (للبحوث) أن الهند والصين لاتتمتعان بالاكتفاء الذاتي الغذائي فحسب، بل أنهما مصدِّران للسلع الزراعية. وقال بأن النجاح في هذين البلدين يعود إلى الامتياز على صعيد نظم البذار والبحوث الزراعية عندهما.
"ما يتوجب على العراق أن يقوم به قد تم عمله في مكان آخر ويمكن أن يتكرر بمساعدة من مراكز المـجموعة الاستشارية." وتعد إيكاردا جزءاً من المـجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية (CGIAR)، وهي شبكة تتألف من 62 جهة دولية مانحة تقدم مـجتمعة الدعم لعمل 16 مركزاً للبحوث الزراعية تعمل بشكل أساس في البلدان النامية.
وذكر الدكتور إرسكين قائلاً: لقد عمل علماء إيكاردا في العراق لمدة تنوف على عشرين عاماً، حيث تم خلالها إدخال أصناف محاصيل حديثة وممارسات إدارة محسنة للمياه والثروة الحيوانية. "وما نأمل عمله في المستقبل القريب هو استثمار خبرات منظومة المـجموعة الاستشارية حول الزراعة في العراق." ويأتي في صدارة الأولويات منح العراق حزمة من الخدمات والتقانات التي تشمل إصلاحات على صعيد السياسات، ونظم الأراضي والمياه، وإعادة بناء مؤسسة البحوث الزراعية في البلد.
وقال إن التحدي الرئيس سيتمثل في التكيف مع مشكلات الملوحة، إذ تعاني حوالي 75% من الأراضي المروية في العراق من الملوحة الناجمة عن ممارسات الإدارة المائية غير الملائمة. "ويعد العراق بأمس الحاجة إلى إعادة هيكلة مخططات إدارة الري وإدخال المزيد من أصناف المحاصيل المتحمّلة للملوحة من برامج تربية دولية وبنوك وراثية."
تحتفظ إيكاردا ومراكز أخرى للمـجموعة الاستشارية بأضحم مـجموعة من أصناف المحاصيل في العالم، بما فيها الكثير من الأصناف العراقية التي تعود إلى فترات قديمة. ويقع العراق عند النهاية الشرقية للهلال الخصيب، وهي منطقة "تتسم بتنوع هائل" من أنواع المحاصيل والمراعي والتي تشكل قرابة 40% من المحاصيل الغذائية التي تستهلك في جميع أنحاء العالم. وقال الدكتور إرسكين: "إن حفظ التنوع هو من الأهمية بمكان ليس بالنسبة للعراق فحسب، بل لكافة برامج تحسين المحاصيل حول العالم."

رأس المال البشري
ويضيف الأستاذ الدكتور البلتاجي قائلاً: "نحن نسعى خلال الفترة الراهنة إلى تحديد ما حلَّ بالبنى التحتية للبحوث الزراعية في العراق، والأهم من ذلك، هؤلاء الناس الذي سيستخدمون هذه المرافق. ويسرني قول أن أخبركم بأن الدكتور كامل شديد، أحد أبرز العلماء العراقيين على الصعيد الزراعي، قد نجا من الحرب، وهو متشوق للعودة إلى العمل."
نظمت إيكاردا والمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (IFPRI) الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، وبالتعاون مع البرنامج الوطني العراقي، ورشة عمل تدريبية لباحثين عراقيين حول السياسات وحقوق الملكية للفترة 1999/2000. ويقف ثالثاً من اليمين الدكتور كامل شديد، المنسق الوطني لبحوث البرنامج المشترك ما بين العراق وإيكاردا.
يجري علماء رئيسون من مؤسسة البحوث الزراعية في العراق، بمن فيهم الدكتور شديد، زيارات في الوقت الراهن إلى المقر الرئيس لإيكاردا في حلب للعمل مع علماء المركز لوضع خطة إعادة بناء مؤسسة البحوث الزراعية في العراق. وقد تم تدريب قرابة 350 عالماً عراقياً في إيكاردا حول تربية النبات وإدارة المحاصيل والحيوانات منذ تأسيس المركز الذي يعود إلى عام 1977.
بيد أن علماء إيكاردا غير متأكدين من مصير مرافق البحوث العراقية، لاسيما البنوك الوراثية فيها. وقبل الحرب، كان البنك الوراثي الوطني في أبو غريب يحتوي على حوالي 1400 مدخل لمحاصيل مختلفة. ووفقاً لما أورده الدكتور شديد، فقد أصيبت كافة مراكز البحوث الزراعية في البلد بالدمار أو بأضرار فادحة. ويخشى أن تكون كميات كبيرة من المواد الوراثية للمحاصيل والثروة الحيوانية قد فقدت.
ويقول الدكتور إرسكين حتى لو نجا بنك أبو غريب الوراثي، فمن المحتمل أن تكون ممتلكاته قد دمرت أو نهبت. ففي أفغانستان، عَمَد علماء إلى تخبئة مئاتٍ من أصناف المحاصيل في مرافق تخزين سرية لكنهم وجدوها مدمرة لدى عودتهم عام 2002.
"لحسن الحظ، فقد جمع علماء إيكاردا ماينوف على 1,000 مدخل من أكثر أصناف المحاصيل والأنواع البرية أهمية خلال الثمانينات والتسعينات، واحتفظوا بها لدى البنك الوراثي للمركز بشكل آمن. وستسهم هذه المواد بدور مهم في أي مسعى مستقبلي لإعادة تأهيل الزراعة العراقية."
إضافة إلى ذلك، ائتمنت إيكاردا عام 1996 من قبل باحثين زراعيين في العراق على مايطلق عليه مختصو المصادر الوراثية اسم "الصندوق الأسود" لضمان التنوع الحيوي الوراثي. ويتم الاحتفاظ بالصندوق بدرجة حرارة 10 دون الصفر سلسيوس، ويضم مايربو على 200 صنف لـ 28 محصولاً مختلفاً، لكن لم يصار إلى فتحه.
يقول الدكتور إرسكين: " إن الصندوق الأسود يحتوي في الواقع على الموروث الزراعي للعراق. وهو يمثل النباتات التي قرر الخبراء العراقيون الاحتفاظ بها بأي ثمن." ويعتقد الدكتور إرسكين أنه من المحتمل أن يحتوي الصندوق الأسود على عدد من الأنواع المقاومة للمستويات المرتفعة من الملوحة التي قد تحمل قيمة كبيرة لبرامج تربية النبات حول العالم. وأضاف: "إن الصندوق الأسود هو ملك للشعب العراقي، وسيتم التعامل معه على هذا الأساس حتى إعادته إلى بلده."

تقييم أولي
تعمل إيكاردا خلال الفترة الراهنة مع زملاء لها في مراكز أخرى للمـجموعة الاستشارية ومع مؤسسات بحوث متقدمة للجمع مابين فرق التقييم التي يمكن لها أن تساعد الباحثين العراقيين على تقييم إنتاج البلد من المحاصيل والحيوانات.
يقول الأستاذ الدكتور البلتاجي: "نحن بحاجة إلى إرسال فرق التقييم إلى العراق بأقرب وقت ممكن." وستتولى الفرق مهمة تحديد حالة التنوع الحيوي للمحاصيل والحيوانات، ونظم البذار، وإدارة المحاصيل والمياه، ومصادر الثروة الحيوانية والأعلاف، والتنمية المؤسسية وتلك المتعلقة بالموارد البشرية.
ويضيف: "ثمّة الكثير الذي نحن بحاجة إلى تعلمه قبل الشروع بالعمل. فعمر الزراعة في العراق يزيد عن 5000 عام، إلا أنه لن يكون من السهل إزالة الضرر الذي أصاب هذا البلد خلال عقدين من الزمن. ما نحن بحاجة إليه الآن هو الحصول على المعلومات، بحيث نتمكن من استثمار وسائل البحوث الزراعية الحديثة ومساعدة العراق على تطوير قطاعه الزراعي استجابة إلى قوى السوق والبدء بإعادة تأهيل أراضيه ومصادره المائية." من جهته، يقول الدكتور أحمد حاجم، وهو عالم عراقي مختص في الري كان يعمل لدى إيكاردا وقت اندلاع الحرب على العراق: "سنبدأ من الصفر بشكل أساسي. فقد احترقت وزارة الزراعة بشكل كامل كما تعرض مكتبي والمختبر في الجامعة إلى النهب."
ويعتقد الدكتور حاجم، وهو مختص في إدارة المياه تلقى التدريب في أمريكا، أن البحوث ستكون اللبنة الأساسية في إعادة بناء الزراعة العراقية. وقال: "لقد شهدت فترة العشرين سنة الخالية تقدماً ملحوظاً في العلوم الزراعية التي ستكون ذات فائدة جمّة لمزارعي البلد."
ويقترح الدكتور حاجم إعادة تنظيم مؤسسات البحوث الزراعية في العراق ضمن إطار مؤسسات مركزية تستطيع توفير تخطيط وموازنة واقعيين، وأيضاً إقامة صلات مابين منظمات دولية للبحوث الزراعية والقطاع الخاص. "إذا كان علينا توفير الغذاء للأمة، فإنه يتعين علينا أن نفيد من التقانات المتقدمة والتخلص من حالة العزلة التي عاشها باحثونا خلال السنوات الخالية."
كما يشير الدكتور حاجم إلى الحاجة إلى استثمارات رئيسة لإعادة تأسيس نظام وطني لإنتاج البذار وإعادة بناء البنوك الوراثية في العراق، ومكتبة البحوث الزراعية، ومختبرات البحوث الرئيسة. ويقول: "لايمكن للمزارعين زراعة المحاصيل الغذائية في غياب البذار ذات النوعية الجيدة، كما أنه بدون المرافق الأساسية لايمكن للعلماء الزراعيين توفير الدعم التقني الذي يحتاجه المزارعون لمواجهة مسائل من قبيل تغير المناخ وشحّ المياه."
ويضيف الدكتور حاجم أن المسعى الرئيس مطلوب لتـثـقـيف جيل جديد من الباحثين والمرشدين الزراعيين. ويعتقد أن فائدة التقانات الزراعية تختلف من موقع لآخر ويجب تكييفها لتلبية الاحتياجات المحلية.
ويختتم الدكتور حاجم قائلاً: "ماعلينا القيام به اليوم هو أن نخرج ونعلـّم مزارعينا ونتعلم منهم مايجب القيام به لتحقيق اكتفاء ذاتي أعظم."
الزراعة المستدامة في المناطق الجافة
الدمار أصاب المنظومة الزراعية في العراق والاكتفاء الذاتي الغذائي لايزال بعيداً وفقاً لتنبؤات المركز الدولي للبحوث
المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA)
المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية CGIAR
إيكاردا :تعمل إيكاردا على خدمة العالم النامي بأسره بهدف تحسين العدس، والشعير، والفول؛ وخدمة كافة البلدان النامية في المناطق الجافة لتحسين كفاءة استعمال المياه على مستوى المزرعة، والمراعي الطبيعية، وإنتاج المجترات الصغيرة؛ وتعمل في منطقة وسط وغربي آسيا وشمالي إفريقيا من أجل تحسين القمح الطري والقمح القاسي، والحمص، والنظم الزراعية. وتعطي بحوث إيكاردا فوائد عالمية تتمثل في التخفيف من وطأة الفقر من خلال تحسين الإنتاجية بصورة متكاملة مع ممارسات إدارة مستدامة للموارد الطبيعية. وتواجه إيكاردا هذا التحدي من خلال البحوث، والتدريب، ونشر المعلومات بالشراكة مع المؤسسات الوطنية للبحوث الزراعية والتنمية. وتتمحور مهمة إيكاردا حول تحسين رفاه الشعوب وتخفيف وطأة الفقر في المناطق الجافة من العالم النامي من خلال زيادة الإنتاج والإنتاجية وتحسين النوعية التغذوية للغذاء، مع الحفاظ على قاعدة الموارد الطبيعية وتعزيزها. وتعتبر إيكاردا أحد مراكز حصاد المستقبل التي تدعمها المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية www.icarda.cgiar.org

حصاد المستقبل: إن حصاد المستقبل هو منظمة لا تبغي الربح، وتعمل على بناء الوعي، وتقديم الدعم في نطاق البحوث الغذائية والبيئية للوصول إلى عالم أقل فقراً، تتمتع فيه الأسر بصحة أوفر، وينعم فيه الأطفال بغذاء جيد، ضمن بيئة أفضل. ويعمل حصاد المستقبل على دعم البحوث، وتحفيز الشراكات، ورعاية المشروعات التي توصل نتائج البحوث إلى المجتمعات الريفية والزرّاع والأسر في إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وآسيا. وتقوم منظمة حصاد المستقبل بدعم 16 مركزاً للبحوث الغذائية والبيئية التي تموّل بشكل أساسي من المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية www.futureharvest.org

تُعتبر المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية (CGIAR) اتحاداً استراتيجياً يتألف من 62 عضواً، وأربع جهات ممولة مشتركة، و 12 منظمة دولية، و16 مركزاً لحصاد المستقبل وعدة مئات من منظمات المجتمع المدني. كما يقوم اتحاد المجموعة الاستشارية (CGIAR) بتعبئة أحدث ماتوصلت إليه العلوم الزراعية لتحقيق النمو الزراعي، وتحسين مستوى الأمن الغذائي، والتغذية البشرية، والصحة، وحماية البيئة. وتتاح المعلومات التي توفرها المجموعة الاستشارية مجاناً للجميع على الموقع التالي www.cgiar.org
  الصفحة الرئيسية > النشرات الإخبارية
النشرة الإعلامية: حلب، سورية- 30 حزيران/يونيو ، 2003
إيكاردا، ص.ب. 5466 ، حلب، سورية
www.icarda.cgiar.org
m.kebbe@CGIAR.ORG
© 2008 المركز الدولـي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) ، راجع حقوق النشر